العلامة المجلسي

279

بحار الأنوار

وأفهمه معاني أصواتها على سبيل المعجز له ، وليس هذا بمنكر ، فان النطق بمثل هذا الكلام المسموع منا لا يمتنع وقوعه ممن ليس بمكلف ولا كامل العقل ، ألا ترى أن المجنون ومن لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلفون ( 1 ) بالكلام المتضمن للأغراض وإن كان التكليف والكمال عنهم زائلين ، والقول فيما حكي عن الهدهد يجري على الوجهين اللذين ذكرناهما في النملة ، فلا حاجة بنا إلى إعادتهما . وأما حكايته أنه قال : ( لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين ) ( 2 ) وكيف يجوز أن يكون ذلك في الهدهد وهو غير مكلف ولا يستحق مثله العذاب ؟ والجواب عنه أن العذاب اسم للضرر الواقع وإن لم يكن مستحقا ، فليس يجري مجرى العقاب الذي لا يكون إلا جزاء على أمر تقدم فليس يمتنع أن يكون معنى لأعذبنه أي لأولمنه ، ويكون الله تعالى قد أباحه الايلام له كما أباحه الذبح له لضرب من المصلحة ، كما سخر له الطير يصرفها في منافعه وأغراضه ، وكل هذا لا ينكر في النبي المرسل تخرق له العادات وتظهر على يده المعجزات ، وإنما يشتبه على قوم يظنون أن هذه الحكايات تقتضي كون النمل والهدهد مكلفين ، وقد بينا أن الامر بخلاف ذلك ( 3 ) . انتهى كلامه رحمه الله . ففي بعض ما ذكر فيه ، وقد أشرنا لمن له غرام ( 4 ) إلى فهم المرام فيما مضى وما سيأتي إلى ما يكفيه ولم نتعرض للرد والقبول حذرا من أن ينتهي القول إلى ما لا يرتضيه من يعرف الحق بالرجال ، ويمكن تأويل كلامه بحيث لا ينافي ما نظن فيه ونعتقده من غاية العرفان ، والله أعلم بحقيقة الحال ، وسيأتي الأخبار الكثيرة في ذلك في أبواب المعجزات ومضى بعضها .

--> ( 1 ) في نسخة : قد يتكلمون . ( 2 ) النمل : 21 . ( 3 ) الغرر والدرر ج 2 ص 349 - 353 . ( 4 ) الغرام : الولوع .